ابن حزم

483

الاحكام

) * نسخ بعضها قوله صلى الله عليه وسلم : لا وصية لوارث وقد قال قوم : إن آيات المواريث نسخت هذه الآية . قال أبو محمد : وهذا خطأ محض ، لان النسخ هو رفع حكم المنسوخ ومضاد له ، وليس في آية المواريث ما يمنع الوصية للوالدين والأقربين إذ جائز أن يرثوا ويوصى لهم مع ذلك من الثلث ، ومن بديع ما يقع لمن قال : إن القرآن لا تنسخه السنة ، أنهم نسوا أنفسهم ، فجعلوا حديث عمران بن الحصين في الستة الأعبد ، ناسخا لوصية الوالدين والأقربين ، فأثبتوا ما نفوا وصححوا ما أبطلوا ، وقد تكلمنا في بطلان ذلك فأغنى عن ترديده ، ولا فرق بينهم في دعواهم لذلك وبين من قال : بل الآية نسخت حديث الستة الأعبد . ومما نسخ من السنة بالقرآن : صلحه صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية إلى المدة التي كانت ، ثم نسخ الله تعالى ذلك في سورة براءة ، ولم يجز لنا صلح مشرك إلا على الاسلام فقط ، حاشا أهل الكتاب ، فإنه تعالى أجاز صلحهم على أداء الجزية مع الصغار ، وأبطل تعالى تلك الشروط كلها ، وتلك المدة كلها ، وبالله تعالى التوفيق . فصل في نسخ الفعل بالامر والامر بالفعل قال أبو محمد : قد بينا أن كل ما فعله صلى الله عليه وسلم من أمور الديانة ، أو قاله منها فهو وحي من عند الله عز وجل ، بقوله تعالى : * ( إن أتبع إلا ما يوحى إلى ) * وبقوله تعالى : * ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى ) * والله تعالى يفعل ما يشاء فمرة ينزل أوامره بوحي يتلى ، ومرة بوحي ينقل ولا يتلى ، ومرة بوحي يعمل به ولا يتلى ولا ينقل ، لكنه قد رفع رسمه وبقي حكمه ، ومرة أن يري نبيه صلى الله عليه وسلم في منامه ما شاء ، ومرة يأتيه جبريل بالوحي ، لا معقب لحكمه ، فجائز نسخ أمره صلى الله عليه وسلم بفعله ، وفعله بأمره ، وجائز نسخ القرآن بكل ذلك ، وجائز نسخ كل ذلك بالقرآن وكل ذلك سواء ولا فرق . وكذلك الشئ يراه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقره ولا ينكره ، وقد كان تقدم عنه تحريم جلي ، فإن ذلك نسخ لتحريمه ، لأنه مفترض عليه التبليغ ، وإنكار المنكر ، وإقرار المعروف ، وبيان اللوازم ، وهو معصوم من الناس ، ومن خلاف ما أمره به